الأصوات النشاز التي ارتفعت في الآونة الأخيرة مطالبة بإلغاء قانون (منع الاختلاط) حال أصحابها كحال من يصرخ في واد يبح صوته حتى ينقطع نسمه ثم يتلاشى من غير فائدة!!
بدأ ظهور هذه الأصوات باقتراح قدمه بعض النواب بإلغاء قانون (منع الاختلاط) وسانده أصحاب أقلام تقطر ريشها إفكا وخبثاً، وشايعه أخيراً مهرجان الجمعية النسائية الذي صرح المتحدثون فيه بأن الاختلاط أمر مقبول ولا شيء فيه، وأن منعه في قاعات الدراسة هو سبب في تأخير التخرج لبعض الطلبة والطالبات، وزادوا الطين بلة حين زعموا أن الاختلاط في مقاعد الدراسة كفيل بتهذيب السلوك والارتقاء بالأخلاق وهو وسيلة شريفة للتعارف ثم للزواج!! والعجبـ واللهـ ممن يصف من تولى زعامة هذه المعارضة المطالبة بإلغاء القانون بأنه (عظيم) كفوء للمسائل العظام!!
مثل هذا الكلام لا يستأهل أن نرد عليه فقد كفاني غيري مؤنة ذلك، وما هو في الحقيقة إلا ترهات وشنشنات عرفناها من شيخهم أخزم قديماً، ولكن الطامة التي لا ينبغي السكوت عليها هي تعديهم للخطوط الحمراء وتطفلهم على نصوص الشريعة وأحكام الدين وفق أهوائهم وأفكارهم وطرحهم لبعض الشُّبه التي يحاولون من خلالها المهارشة والمناوشة لترويج فكرتهم وتدعيم مطالبتهم بإلغاء القانون حين زعموا أن الاختلاط غير محرم شرعاً!!
ولو طبقنا ما أمرنا به ربنا وأرجعنا موضوع التحليل والتحريم لأهل الشرع المختصين وليس للجهال المتطفلين المتعالمين، لعلمنا أن أهل العلم السابقين والمعاصرين قد نصوا على قاعدة مقررة شرعاً ودلت عليها النصوص بمنطوقها ومفهومها ألا وهي قاعدة (أن الوسائل لها حكم المقاصد) فمثلا: حرم النظر إلى الحرام لأنه وسيلة ويريد إلى الزنى، وكذلك حرم الاختلاط بين الجنسين لأنه وسيلة إلى وقوع الفتن التي لا تحمد عقباها، فسد الذريعة مطالب شرعي يجب تحقيقه منعاً للفساد والمنكر.
وكل من يعرف واقع الدارسين والدارسات في الجامعة يعلم يقيناً دخول (منع الاختلاط) دخولاً كلياً في القاعدة المذكورة، فالجامعة لم تعد مكاناً للتحصيل العلمي بل قد تحولت عند أغلب الدارسات إلى معرض لإظهار الزينة والتنافس في إظهار آخر صيحات الموضة، وجل الشباب غير متزوجين، ناهيك عن ضعف الوازع الديني عندهم، فماذا ستكون النتيجة لمن لم يعصمه الله ويسلمه من هذا الواقع المر؟!
ولعل من أصرح الأدلة على تأكيد منع الاختلاط الحديث الذي رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قالت النساء (غلبنا عليك الرجال يا رسول الله، فاجعل لنا يوما نأتيك فيه، فجعل لهن يوما...) فصار لهن يوماً خاصاً مفصولاً عن أيام الرجال فلهن حق طلب العلم لكن وفق ضوابط الشرع لحماية الأخلاق وتزكية النفوس وهن من هن خلقاً وأدباً وحياءً وإيماناً.
ولذلك لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أسماء راجعة إلى بيتها لوحدها أمرها أن تركب خلفه ليرجعها إلى بيتها بعد أن خرجت لإحضار النوى وكان معه نفر من أصحابه فقالت (فاستحييت أن أسير مع الرجال وتذكرت الزبير وغيرته!) وهذا هو عين ما قالته ابنتا الرجل الصالح صاحب مدين (لا نسقي حتى يصدر الرعاء) إنه والله كمال الأدب وحسن التربية وقمة الحياء، فماذا عسانا أن نقول عن حال الفتيات (المثقفات) في زماننا اليوم وهن يزاحمن الرجال في كل مكان؟!