====================================
المحور الأول علاقة الظاهر بالباطن وتأثير كل منهما في الآخر
=================================================
يعتقد بعض المسلمين أن الظاهر والباطن لا علاقة بينهما البتة بحيث أن الإنسان ربما يكون باطنه طيب ولكن ظاهره سيء أو العكس وهذا المفهوم غير صحيح.
فإذا كان الإنسان يتلفظ بألفاظ سيئة أو يعتقد إعتقادات فاسدة ويجهر بها فإنه لايمكن أن يكون داخله طيب , بل إن الباطن ينعكس على الظاهر , والظاهريؤثر في الباطن.
ومن المعلوم أن كل الأعمال التي يعملها العبد المسلم تؤثر في قلبه إيجابا أو سلبا , فإذا أدى طاعة زاد الإيمان في قلبه وإن وقعت منه معصية نقص الإيمان في قلبه.
ومذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص , فيزيد بالطاعات وينقص بالمعاصى وأدلتهم على ذلك كثيرة جدا وواضحة وظاهرة وهو المذهب الحق...
تأثير الباطن بأعمال الظاهر
قد أخبر تعالى في كتابه عن تأثير المعصية في القلب فقال تعالى ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) والمعنى أنه قد وضع الران على قلوبهم بما كانوا يكسبون من سيئات أدت لمثل هذه العقوبة.
والقلب هنا ليس القلب المادي المعروف وإنما يعنى بها اللطيفة التي يعقل بها الإنسان وهي محل نظر الرب تعالى كما في الحديث الصحيح ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم )
فهذا القلب الباطني يتأثر بالعمل الظاهر فإذا وقع من العبد السيئات الكثيرة نكت على هذا القلب النكت السوداء حتى إذا غلف تماما ختم الله تعالى بختم الران فلا يخرج منه الكفر والمعصية ولا يدخله الإيمان والطاعة...
فختم الران هو آخر المراحل وأسوأها ومعناها موت القلب فلا تنفعه المواعظ ولا يحيا بالكلم الطيب كالإنسان الميت لا تنفع الأدوية ولا يصلحه الإسعاف والإنقاذ.
وفي آية أخرى يظهر مثل هذا المعنى كما في قوله تعالى ( فمالكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ) ومن المعلوم أن النفاق صفة قلبية باطنية , وقد صار هؤلاء المنافقين إلى هذه الدرجة السيئة بأعمالهم السيئة حتى قال تعالى ( والله أركسهم بما كسبوا ) فبما كسبوا من إعتقادات وأعمال لا ترضي رب العالمين.
ومن أصرح الأدلة الدالة على تأثر الباطن بالظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الجميل ( من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن ؛ أو يعلم من يعمل بهن ؟ فقال أبو هريرة : فقلت : أنا يا رسول الله ! فأخذ بيدي فعد خمسا فقال : اتق المحارم تكن أعبد الناس وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما ولا تكثر الضحك ؛ فإن كثرة الضحك تميت القلب )
فتأمل هذا الدليل الظاهر فإن الضحك فعل ظاهري بحت وموت القلب هو موت باطني , وعلى الرغم من هذا فإن هذا الفعل الظاهري أدى إلى تأثر باطني كبير ألا وهو موت القلب والعياذ بالله تعالى.
وفي حديث آخر يظهر تأثير الفعل الظاهري في الباطن حديث النبي صلى الله عليه وسلم عند مسلم ( استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم )
فأمر النبي بالإستواء للصلاة مسألة ظاهرية ولكن النبي حذر من مخالفة هذا الأمر بإختلاف القلوب الباطنية أيضا..
إذا يتضح من هذه الأدلة على وجه الإختصار لا الحصر أن الأعمال الظاهرية تؤثر في القلب تأثير ما فإن كان طاعة فإن الطاعات تتفاوت في الأفضلية وكلما حرص المسلم على أفضلية العمل كلما زاد إيمانه زيادة طيبة يستشعر حلاوتها على جوارحه وفي قلبه أيضا.
وإذا وقعت من المسلم معصية فإن المعاصي أيضا تتفاوت فلو كانت كبيرة فهي كبيرة أيضا في التأثير القلبي وهكذا دواليك...
إنعكاس الباطن على الظاهر
وهذه المسألة واضحة ولكن قد يجادل فيها بعض الناس الذين غرهم الشيطان وأحسنوا الظن بغير أن يحسنوا العمل...
فإذا وقعت منه معصية كبيرة ورُوجع فيها قال إن هذه مسألة ظاهرية وأن باطنه عامر بالإيمان فلا يقدح مثل هذه المعصية في قلبه...
وهذا خطأ ووهم وخلط لأن الشريعة السمحاء قد رتبت علامات ظاهرية على نوايا مخبئة فالمرء إاذ نوى إخلاف الوعد وهو يقطعه لغيره كان منافقا وإذا كان يكذب في الحديث فهي من علامات نفاقه وإن كان يغدر في المعاهدات فهي أيضا من علامات خبث القلب وراجع حديث آية المنافق..
فالأفعال الظاهرة هي التي تدل على الباطن لا غير فلا يظهر الإنسان الشر ويكون باطنه خير إلا أن يكون خطئاً أو إكراها أو نسيانا وهذه حالات عذر في أغلب الأحايين لا يحاسب المرء عليها كما في الحديث الصحيح.
أما أن يُظهر عن تعمد وعلم اللؤم في الطبع أو القبح في القول ثم يدعي بأن باطنه سليم فهذا لا يدل إلا على لؤم الباطن وقبحه.
وأحسب أن الأمر واضح وظاهر وفي هذا القدر الكفاية والحمد لله رب العالمين