مع مرور الذكرى ال18 لغزو النظام العراقي البائد لدولة الكويت التي تصادف غدا ورغم قسوة المرارة التي خلفتها احداث هذه الكارثة محليا وعربيا ودوليا يستذكر الكويتيون بكل فخر واعتزاز الدور الكبير والبارز الذي قام به بطلا التحرير أمير البلاد الراحل الشيخ جابر الاحمد الجابر الصباح والامير الوالد الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح رحمهما الله في استعادة البلاد وتحريرها من براثن الغزو العراقي الغاشم.
ومنذ فجر يوم الخميس الثاني من اغسطس 1990 بدأ الأمير جابر الأحمد رحمه الله عمله المتواصل ووفق تخطيط هادف ومتزن وجهود حثيثة وعطاء لا ينتهي وتحركات دائمة ومستمرة من اجل استرداد الوطن واستعادة حريته واستقلاله.
وتعددت جهود أمير البلاد الراحل ومساعيه ما بين حضور المؤتمرات والمحافل الدولية والمشاركة فيها ناقلا اليها خطاب الكويت الرسمي والشعبي وسعى بكل جهد لايصال الحقيقة وما يجري على ارض الكويت بكل امانة وصدق.
كما قام رحمه الله بارسال الوفود والمبعوثين الكويتيين لايصال صوت الحق وعدالة قضية الكويت الى كل دول العالم.
وفي بداية الغزو العراقي الغاشم اصدر الشيخ جابر الاحمد رحمه الله أوامر ومراسيم اميرية عدة ففي الثالث من اغسطس 1990 صدر امر اميري يقضي بأن تنعقد الحكومة بصفة مؤقتة في المملكة العربية السعودية وان يتولى الوزراء مباشرة اعمالهم.
وفي ال15 من شهر سبتمبر من العام نفسه بدأت السفارات والقنصليات الكويتية في تنفيذ اوامر الشيخ جابر الاحمد رحمه الله بشأن صرف معونات الاعاشة والرعاية المخصصة للاسر والعائلات الكويتية في الخارج.
كما اصدر الامير الراحل في الثامن من اكتوبر مرسوما يقضي بعدم الالتزام باعادة قيمة الاوراق النقدية المسروقة من خزائن بنك الكويت المركزي كما انه اصدر في 19 اكتوبر مرسوما اخر يقضي باخضاع اموال الكويتيين وغيرهم من المقيمين للملكية الحمائية.
ووجه رحمه الله كلمة الى الشعب الكويتي في اليوم الرابع من العدوان العراقي الغاشم على دولة الكويت جاء فيها "اذا كان العدوان قد تمكن من احتلال ارضنا فانه لن يتمكن ابدا من احتلال عزيمتنا واذا كان المعتدون قد استولوا على مرافقنا ومنشآتها العامة فانهم لن يستطيعوا ابدا الاستيلاء على ارادتنا".
وأضاف "ويشهد التاريخ ان الكويت مرت بمحن كثيرة والام جسيمة وتعرضت لاعتداءات وغزوات متعددة على مر الزمن ولكن بصمود الكويتيين وعزيمتهم وايمانهم بقيت الكويت حرة أبية مرفوعة الراية عزيزة الجانب طاهرة التراب شامخة الكرامة
وأكد الامير الراحل الشيخ جابر الأحمد رحمه الله في كلمته تلك ان التاريخ سوف يسجل لاهل الكويت انهم واجهوا أشد المحن ضراوة فلم يستكينوا وانهم قاسوا احلك الساعات فلم يهنوا وانهم وقفوا في وجه جبروت القوة فلم يخضعوا.
وكانت بدايات مشاركة امير البلاد الراحل الشيخ جابر الاحمد في مؤتمر القمة العربي الطارئ الذي عقد في القاهرة في 19 اغسطس 1990 الذي حمل خلاله في كلمته القادة العرب مسؤوليتهم التاريخية تجاه العمل الفوري لانهاء الاحتلال وعودة نظامها الشرعي اليها.
ووجه الشيخ جابر الاحمد رحمه الله رسالة الى (المؤتمر الاسلامي العالمي) الذي عقد في مكة المكرمة في 10 سبتمبر شدد فيها على مبادئ الاسلام وركائز الايمان التي من اهمها الوقوف مع الحق ورفع الظلم وردع الفئة الباغية خاصة.
وخاطب امير البلاد الراحل رحمه الله في 27 سبتمبر 1990 اكثر من ستين رئيس دولة وتسعين رئيس حكومة ووزيرا وسفيرا في الدورة ال 45 للجمعية العمومية للامم المتحدة في لحظة تاريخية لقي فيها جل تقدير اعضاء الجمعية.
وشارك كذلك في (مؤتمر القمة العالمي للطفولة) حيث نقل سموه رسالة اطفال الكويت واصفا حال الخوف والرعب والتشرد التي عاشها اطفال الكويت انذاك مناشدا المشاركين في المؤتمر ليهبوا من اجل حماية حقوقهم.
وفي الاول من اكتوبر 1990 ترأس امير البلاد رحمه الله مؤتمر وزراء الخارجية ل(منظمة المؤتمر الاسلامي) في دورته الخامسة التي عقدت في مدينة جدة السعودية حيث اوضح في كلمة امام المؤتمر وبين قضايا اخرى ان النظام العراقي البائد الذي يتشدق بحمل راية الاسلام هو ابعد الناس عنه فلقد خان وكذب واستحل العرض والدم والمال.
وفي 13 اكتوبر اقيمت اضخم تظاهرة كويتية سياسية منذ الاحتلال تمثلت في المؤتمر الشعبي الكويتي الموسع في جدة الذي جاء تحت شعار (التحرير .. شعارنا .. سبيلنا .. هدفنا).
وفي هذا المؤتمر وجه أمير البلاد الراحل الشيخ جابر الاحمد في كلمته رسالة تقدير واحترام الى اهل الكويت الصامدين لما يسطرونه من اروع ايات الصمود وأكد أن "الواجب يحتم علينا جميعا في مؤتمرنا هذا ان نعقد العزم على التعاون اللامحدود لتحرير الوطن من دنس العدو فنحن اصحاب حق واصحاب قضية عادلة يرعاها الله بعنايته وتوفيقه".
وكان من بين اهم ما خرج به المؤتمر الرفض القاطع للاحتلال والتمسك بنظام الحكم وتجديد البيعة لامير البلاد رحمه الله
وفي 10 ديسمبر 1990 القى امير البلاد الراحل كلمة بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الانسان كلمة احصى فيها الانتهاكات العراقية في الكويت كالاعدام دون محاكمة والقتل الجماعي للاطفال الخدج وعمليات القتل العشوائي كما بين رحمه الله ان وقوف دول العالم مع الكويت هو تأكيد لرفض عدوان الانسان على اخيه الانسان.
وشارك الشيخ جابر الاحمد رحمه الله في 22 ديسمبر 1990 في القمة ال11 لمجلس التعاون لدول الخليج العربية التي عقدت في الدوحة تحت شعار (التحرير والتغيير) التي اكدت وقوف دول المجلس مع الكويت وتضامنها معها والتزامها بتنفيذ جميع قرارات مجلس الامن واعلان ان علاقات دول المجلس مع دول العالم المختلفة ستتأثر سلبا أو ايجابا بحسب مواقف تلك الدول من تنفيذ قرارات مجلس الأمن.
وقام أمير البلاد الراحل الشيخ جابر الاحمد بزيارات رسمية عدة اثناء فترة الاحتلال في اطار جولة واسعة شملت بعض دول مجلس الامن الدائمة العضوية وهي الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والصين.
وبمناسبة بدء العمليات القتالية لتحرير الكويت القى رحمه الله في 19 يناير 1991 كلمة قال فيها "لقد لاحت مع الخيوط الاولى لفجر يوم الخميس الثاني من رجب بشائر النصر وبدأ الحق يأخذ طريقه ليبدد الظلام ويدحر الطغيان وقد تكللت بالنجاح جهود العالم اجمع في الوقوف امام شريعة الغاب التي ارادها رئيس النظام العراقي ان تسود حيث تغلب نهج العدل وصوت القانون على من حاول التفرد والتمرد على ارادة المجتمع الدولي وان الظالم مهما طال امد ظلمه فان الله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل".
وبعد تحرير الكويت القى امير البلاد رحمه الله كلمة بمناسبة العشر الأواخر من شهر رمضان لعام 1411 هجرية قال فيها "الحمد لله الذي جمعنا على ارضنا ولم شملنا وشد ازرنا ونصرنا على الظالمين وما كنا بغيره منتصرين والرحمة لشهدائنا والفرج لمفقودينا والصحة والعافية لمصابينا وجرحانا".
واكد الشيخ جابر الاحمد رحمه الله في كلمته ان محنة الكويت كشفت عن الاصالة والعراقة والنبل لجميع قادة دول مجلس التعاون الخليجي وشعوبها "فهؤلاء الاخوة جميعا اثبتوا ان الاخوة والاخاء ليسا كلاما اجوف يردده اللسان بل ايمان راسخ في القلوب يظهر بجلاء عند الشدائد والمحن".
واشاد ايضا بالدور الكبير الذي قامت به الدول العربية والاسلامية الصديقة في تحرير الكويت وكذلك الاصدقاء الاوفياء بعهودهم الاعضاء في قوة التحالف الدولية الذين وضعوا كل امكاناتهم من اجل الدفاع عن الحق والقانون والمثل السامية.
اما الامير الوالد الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح رحمه الله فقد كان مقاتلا صلبا ومدافعا عنيدا عن الحق الكويتي عندما وقعت الكارثة.
فقد بذل الشيخ سعد العبدالله رحمه الله خلال فترة الاحتلال جهودا جبارة للدفاع عن الحق الكويتي في جولاته في الدول الشقيقة والصديقة وشرح قضية شعب الكويت العادلة ما كان لها الاثر الواضح في وقوف تلك الدول الى جانب الكويت.
كما كان لكلماته للشعب الكويتي اثناء محنة الاحتلال مردودها الايجابي في شحذ الهمم ورص الصفوف لدحر العدوان ورد كيد المعتدي.
وتمثل تحرك الامير الوالد رحمه الله منذ اللحظات الاولى للعدوان باصراره على مغادرة امير البلاد الراحل الشيخ جابر الاحمد الى السعودية لان وصول القوات العراقية الى امير البلاد ورمزها كان يعني انهيار الروح المعنوية لدى افراد الشعب انما وجود سموه خارج البلاد يعني استمرار المقاومة وحرية الحركة لحشد الرأي العام الدولي والاسلامي والعربي حول قضية الكويت وسرعة تحريرها.
وبعد الغزو بثلاثة ايام وجه الشيخ سعد رحمه الله خطابا الى الشعب الكويتي أكد فيه ان دولة الكويت واجهت عبر تاريخها الطويل محنا قاسية ومحاولات غاشمة للغزو والعدوان وكلها باءت بالفشل بفضل عناية الله ورعايته وتماسك أهل الكويت وتلاحمهم واستعدادهم للموت دفاعا عن ارضها الطيبة.
وفي الخامس من شهر اغسطس 1990 التقى الشيخ سعد رحمه الله خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله في جدة حيث تم تبادل وجهات النظر واسلوب التحرك ازاء الموقف الناتج جراء العدوان على دولة الكويت كما التقى الرئيس المصري حسني مبارك في الاسكندرية والقاهرة حيث تم الاعلان بعد ذلك عن عقد مؤتمر القمة العربية الطارئ بتاريخ التاسع من اغسطس 1990 وترأس الشيخ سعد رحمه الله وفد الكويت بعد القاء امير البلاد الراحل الشيخ جابر الاحمد كلمة الكويت امام المؤتمر ومغادرته القاهرة في اليوم نفسه.
وقام الامير الوالد الراحل بجولة شملت سوريا وتركيا والمغرب والجزائر وتونس في الفترة من 13 الى 23 اغسطس 1990 حيث سلم رسائل من امير البلاد الراحل تتعلق بآخر المستجدات في ضوء العدوان على الكويت كما زار ليبيا واجرى في كل تلك الدول اجتماعات وشرح ابعاد قضية الكويت لشعوب تلك الدول وادلى بتصريحات صحافية وعقد مؤتمرات صحافية وشكر الدول المؤيدة للكويت على مواقفها المؤيدة للحق والعدل.
كما ابرز الأمير الوالد الشيخ سعد العبدالله رحمه الله موقف الكويت وبشكل مستمر على انها ليست داعية حرب ولا تريد تعريض المنطقة للخطر بل كل ما تطلبه الكويت هو تنفيذ قرارات القمة العربية وقرارات مجلس الامن 660 - 661 - 662 وقرارات مؤتمر وزراء خارجية الدول الاسلامية التي تتفق جميعا على ضرورة انسحاب العراق فورا ودون أي شروط.
وكان التحرك الدبلوماسي للامير الوالد الراحل رحمه الله مع سفراء الدول الكبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن ومع سفراء الدول الشقيقة والصديقة مكثفا لتبادل وجهات النظر حول آخر المستجدات في المنطقة.
وكان الشيخ سعد رحمه الله يتابع بصفة دائمة تأمين الاوضاع المعيشية الكريمة للمواطنين الكويتيين في الخارج سواء في الدول الخليجية او العربية وكذا تأمين المعيشة للمواطنين في الداخل.
وحرص الشيخ سعد على الاتصال المستمر بالمواطنين في الداخل بهدف رفع الروح المعنوية والوقوف على المستجدات في الساحة الداخلية واحتياجات المواطنين وبيان مؤازرة الشعوب الشقيقة والصديقة الى جانب الحق الكويتي.
كما حرص الشيخ سعد رحمه الله على اللقاء المستمر والمباشر مع مواطني الكويت في كل دولة يزورها وذلك بهدف الاطمئنان على حياتهم وشرح الموقف السياسي والعسكري لهم ورفع روحهم المعنوية واطلاعهم على ان العالم الحر الشريف يقف معهم ويؤيد قضيتهم.
كما اصر رحمه الله على الوقوف الصلب الى جانب الحق الكويتي وعدم المساومة على أي شبر من الارض الكويتية فضلا عن مطالبته بالتعويضات عن اضرار الاحتلال منذ الشهر الاول وهذا يؤكد ايمانه رحمه الله منذ اللحظات الاولى بتحرير الوطن ودحر العدوان.
كما تبنى الشيخ سعد رفض الكويت لأي وساطات او مبادرات لحلول وسط للأزمة واصر على تنفيذ كافة قرارات مجلس الأمن والقمة العربية.
كما ان الامير الوالد رحمه الله كان يؤمن ايمانا كاملا بشعب الكويت وبثقته الكاملة في اخلاص هذا الشعب والتفافه حول قيادته الشرعية.
وحرص الشيخ سعد رحمه الله على الاتصال المباشر وشبه اليومي مع قيادات المقاومة الكويتية وذلك بهدف الاطمئنان على حياة المواطنين في الداخل والاطلاع على اعمال المقاومة بشكل دوري ونقل توجيهات أمير البلاد الراحل وتوجيهاته لقيادات المقاومة شرح الموقف السياسي والعسكري لقيادات المقاومة.
وبالاضافة الى الاعباء او المهام الجسام التي كانت موكولة الى الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح رحمه الله خلال فترة الاحتلال العراقي الغاشم للكويت التي أداها بكل صدق وتفان فان ذلك كله لم يؤثر على أدائه لمهامه الاساسية كولي للعهد ورئيس لمجلس الوزراء التي تمثلت خلال هذه الفترة في رئاسة اجتماعات مجلس الوزراء الذي كان في حالة انعقاد شبه مستمر في مدينة الطائف في السعودية خلال فترة الاحتلال وذلك لادارة شؤون البلاد والمواطنين في الداخل والخارج وتميزت هذه الفترة بأهمية الموضوعات التي كان يناقشها المجلس وحيويتها والسرعة والدقة في القرارات التي تم انجازها.
ومنذ اللحظات الاولى للتحرير ترأس الامير الوالد رحمه الله اجتماعات مجلس الوزراء في الكويت وكانت تعقد في ديوانية الشايع بالشامية فقد كان رحمه الله على رأس الحكومة والجهاز الاداري للدولة عند دخوله الكويت بعد التحرير مباشرة وكان لوجوده على رأس الحكومة اكبر أثر في فرض الأمن واعادة السيطرة للدولة في كل ارجاء البلاد كما كان للامير الوالد الراحل مواقف مشرفة تناقلتها كل وسائل الاعلام الدولية والعربية عندما تصدى شخصيا وبكل قوة وحزم لاى عمليات انتقامية يقوم بها بعض الشباب المتحمس ضد أي قوى تعاونت مع قوات الاحتلال في اثناء الاحتلال وطلب رحمه الله ان يأخذ العدل مجراه في هذه الامور وان تحال هذه الامور برمتها الى القضاء الكويتي العادل.
وكانت الفترة التي تلت التحرير مباشرة من اصعب الفترات التي مرت على الكويت في تاريخها الحديث وبرز خلالها الشيخ سعد العبدالله رحمه الله بأدائه المتفاني ودبلوماسيته العالية وحزمه واصراره الصلب على التعامل مع كم المشاكل الهائل الذي واجه الدولة منذ اللحظة الاولى للتحرير.
وتمثل ذلك في اعادة مرافق الدولة الى العمل بكل كفاءة وسرعة وفرض الأمن والنظام واظهار هيبة الدولة وسلطتها والتعامل مع فلول الاحتلال ومن تعاون معهم بكل حزم وعدل اضافة الى وضع خطة اعادة الوافدين الشرفاء الى اعمالهم للمشاركة في معركة اعادة البناء وعلى رأس كل هذه المشكلات وغيرها التعامل وبسرعة مع اكبر جريمة بيئية في التاريخ المعاصر وهي اطفاء آبار النفط التي حرقها المعتدي الغاشم عند طرده من الكويت.
لقد كان التفاف الكويتيين حول قيادتهم الشرعية وثقتهم الكبيرة برجوع بلدهم من الغاصب المحتل اسطورة انتماء شهد لها العالم بأسره واليوم يقف الشعب الكويتي خلف القيادة الحكيمة لسمو امير البلاد الشيخ صباح الاحمد الجابر الصباح وسمو ولي عهده الشيخ نواف الاحمد الجابر الصباح لتمضي سفينة الكويت نحو شاطىء الأمان والاستقرار والازدهار.